العتبات
"في مغامرة سردية استثنائية وبنية تجريبية مدهشة، يشرع الأديب الأردني مفلح العدوان بوابات روايته ""العَتَبات""، ليقدم عملاً روائياً يخلع ثوب السرد التقليدي ويسير بالقارئ في عوالم تدمج بين الواقعية السحرية، والأنثروبولوجيا، والتاريخ الأسطوري. يضع المؤلف بين يدي القارئ مخطوطاً فريداً يُقرأ بثلاثة دروب، وأزمنة ثلاثة، وبعناوين موسومة بثلاث ترقيمات مختلفة تتوازى وتتقاطع، وتتكامل شخوصها عبر أزمنة متباعدة، ليلتئم شمل السرد في النهاية عند نقطة تنويرية واحدة تستقر عندها عتبات البوح وتمنح المتلقي حرية اختيار مسار حكايته.
تدور أحداث الرواية في فضاء قرية عجائبية تُدعى ""أم العرقان""، وهي مكان مكثف بالرموز والدلالات، يختزل تحولات المجتمع والإنسان عبر ثلاث طبقات جيولوجية وزمنية تشهد الانتقال من عتمة الكهوف والمغائر الشرقية القديمة حيث الذاكرة الأولى للأجداد، مروراً بالطبقة الوسطى المتمثلة في بيوت الحجر والطين التي نبتت حول نبع الماء عقب الهجرة الأولى، وصولاً إلى الطبقة الغربية الحديثة المبنية من البلور والزجاج والتي تحاكي برودة المدينة المعاصرة وتكشف الفجوة العميقة بين الأجيال.
وتتحرك خيوط هذه الحكاية المشوقة عبر رسائل إلكترونية حديثة يرسلها الشاب خالد الكنعان، العائد من صخب المدينة والمسحور بمخطوط قديم ورثه عن جده، إلى صديقه الصحفي ريان داعياً إياه لزيارة القرية وكشف أسرارها المتوارية، ليتداخل مع هذا الإطار المعاصر تاريخ قديم يخص الوراق إبراهيم وبنتيه شفق المتمردة وسعدى عذراء القرية التي سكنتها الرؤى، بالتزامن مع العبور اللافت لثلاثة غرباء مروا بالمكان ذات تاريخ بعيد، تاركين وراءهم كرامات وخوارق ارتبطت ببناء القصر ونبع الماء، وما تلا ذلك من شؤم ودم وصراعات وجودية لا تنتهي.
إنها رواية باذخة باللغة الشعرية ذات النفس الصوفي الرهيف، حيث يمتزج عبق الحناء والهال بصرير الأبواب القديمة وتنهدات الموتى الذين يحنون إلى أمهاتهم قرب بوابات المغائر، لتطرح على القارئ سؤالاً حتمياً ومستفزاً: هل تملك الشجاعة الكافية لتهجر دفء الحاضر وتلج العتبات الغامضة لقرية تسكن الكهوف أجساد أحيائها، وتضج مغايرها بضحكات موتاها، لتكتشف أي الدروب الثلاثة سيقودك إلى حقيقتك أنت؟"
مفلح العدوان