حكاية ماريا فوتس ومكتبته
"في عالم المُعلّم البسيط ""ماريا فوتس""، الرجل الذي قرر ألا يستسلم لقسوة الفقر أو لمحدودية الواقع؛ فبينما كان يسكن في غرفته المتواضعة بوادي ""أوينتال"" النائي، تملكه عشقٌ جارف للمعرفة والأدب والفلسفة، لكن جيبه الفارغ كان يقف حائلاً بينه وبين اقتناء إصدارات عصره الكبرى. من هذا العجز المادي، ولدت أغرب وأعجب فكرة عبقرية في تاريخ الأدب: فكلما تصفّح فوتس كتالوجات المعارض ووقع نظره على عنوان لكتاب جديد لروسو، أو كانط، أو شيلر، أو غوته، كان يجلس خلف مكتبه لأسابيع طوال، ليبدأ في تأليف محتوى الكتاب كاملاً من محض خياله استناداً إلى العنوان فقط! على مر السنين، لم يصنع فوتس لنفسه مكتبة ضخمة من المخطوطات التي خطها بيده فحسب، بل رسخ في ذهنه يقينٌ طريف ومفارق: أن دفاتر يده ومخطوطاته الشخصية هي النسخ الأصلية المقدسة التي تجسد روح الفكر، وأن الكتب المطبوعة والمعروضة في الأسواق والمكتبات ليست سوى نسخ مشوهة، باهتة، ومقلدة عن إبداعه الأصيل!
في هذه الرواية القصيرة (النوفيلا) الآسرة والتاريخية، يأخذنا الأيقونة الأدبية الألماني جان باول في رحلة سردية فريدة من نوعها، يتحرك الكاتب في سرديته عبر نسق هندسي دقيق يُصعد بنا أولاً في ""درجات العمر الثلاث"" مقتفياً أثر فوتس من طفولته الشقية، لشبابه، ثم لزواجه المبارك من حبيبته جوستينا، قبل أن يهبط بنا برفق عبر ""درجات الانحدار"" نحو نهاية تفيض بالسكينة والجمال الروحي.
العمل ليس مجرد قصة طريفة لمعلم غريب الأطوار، هو بيان فلسفي رفيع وأشبه بأنشودة كونية تحتفي بـ ""السعادة كفعل مقاومة روحية"". إنها دراسة سيكولوجية عميقة تشرح كيف يمكن للمخيلة الإنسانية أن تهزم الفقر البائس، وكيف يتسامى الإنسان بروحه ليجعل من عزلته الضيقة فضاءً رحباً لا تحده حدود، يعيد فيه تشكيل جغرافيا العالم وتاريخ الفكر البشري. يمزج جان باول في هذا النص الكلاسيكي بين الكوميديا الساخرة، والاستطرادات الفلسفية الممتعة، وتيار الوعي السلس، مقدماً عملاً نادراً يبعث في نفس القارئ طمأنينة عجيبة، ويثبت أن الثروة الحقيقية لا تكمن في الجيوب، بل في عوالمنا الباطنية القادرة على خلق الأكوان من العدم.
اغمر نفسك الآن في تفاصيل هذه التحفة الأدبية الكلاسيكية، وتعرف على سر المعلم السعيد الذي حوّل الخيال إلى حقيقة، وتصالح مع الحياة والموت بأجمل طريقة ممكنة."
جان بول (يوهان ريختر)